المجتمع
 
 
المنطقة الشرقية  
 

الشرقيـة السـر العمانـي المحتجـب

 


 

تاريخ الشرقية ُيطلعنا على أكثر لحظات المغامرات والجرأة في تاريخ عمان فهو يحكي عن قصص بحارتها الجريئين الذين انطلقو لاكتشاف الطرق البحرية العظيمة وعن أخبار تجارها الذين أقامو العديد من العلاقات والمراكز التجارية حول الخليج وفي افريقيا وشبه القاره الهندية وآسيا الشرقية كما أنه تاريخ الحرفيين الذين برعوا في بناء السفن الشراعية التي أبحرت ومازالت تبحر في الخليج العربي لآلاف السنين وهو أيضا تاريخ ناقلات الغاز الضخمة التي نراها اليوم وهي تحمل معها مصدرا جديدا يضاف الى ثروات عمان الا وهو الغاز الطبيعي المسال.

مجان
 جبل النحاس

تم اكتشاف رؤوس الرماح والسهام في رمال الوهيبة. ويُقدر عمر هذه الرؤوس بنحو ستة آلاف إلى تسعة آلاف سنة، مما يدل على أن الإنسان استوطن عُمان منذ العصري الحجري. كذلك، اكتشف علماء الآثار ما يشير إلى استيطان الإنسان لمناطق رأس الجُنيز، وميسر، ولزق، وسمد. ويرجع تاريخ أقدم هذه المكتشفات إلى الألفيّة الثالثة قبل الميلاد. في ذلك الوقت كانت عُمان ُتعرف باسم "مجان" وكانت تشتهر بالنحاس في كافة بلدان الخليج وشبه القارة الهندية. وكانت سفنها تحمل سبائك النحاس إلى ديلمون (البحرين حاليا) وإلى ما بين النهرين حيث كان السومريون، ومن ثم البابليون، بحاجة للنحاس صنع تماثيل لتزيين هياكلهم ومعابدهم، ولصناعة الرماح والسيوف لتسليح جيوشهم، وأيضا صناعة عُدّة الحروب، والفؤوس، والسكاكين، والأدوات، والحلي والمجوهرات الجميلة. وبعد أن كانت السفن تفرغ حمولتها من النحاس في سومر، كانت تبحر ثانية متجهة نحو وادي السند وهي محملة ببضائع أخرى كالشعير، زيت السمسم، والمنسوجات والصوف، والجلود، والحلي، والمجوهرات، والتماثيل البرونزية، والأدوات النحاسية. وفي طريقهم، كانوا يعرجون على ديلمون التي كانت مركزا تجاريا هاما في الخليج لكي يتزودوا بسعف النخيل، والتمر، واللؤلؤ، وما الشرب. وكانوا يشترون من وادي السند الخشب الثمين، والأحجار شبه الكريمة (الفيروز واللازورد، والعقيق الأحمر)، والذهب. وقد تم اكتشاف العديد من القطع النقدية المعدنية التي كانت مستعملة في تلك الدول في المواقع الأثرية في شبه الجزيرة العربية مما يؤكد وجود حركة نشطة بين هذه الدول في ذلك الوقت.

لكن ما الذي بقى من الماضي؟ لقد تم اكتشاف ألواح طينية في منطقة ما بين النهرين مكتوب عليها بالحروف المسمارية، وهي تحكي قصة هذه التجارة البحرية العظيمة ما بين الحضارات العريقة في الخليج وشبه الجزيرة الهندية. وهي تكشف لنا، من بين أمور أخرى، عن أولى صفحات تاريخ عُمان، وتصف بتفصيل كبيرة كيف كانت تجري المفاوضات التجارية، وتخبرنا عن الأوزان والمكاييل التي كانت مستخدمة آنذاك، وعن السفن التي كانت مستعملة. وحتى أن الأختام التي كان يستخدمها تجاري "ديلمون" تحمل رسومات لأوائل السفن التي استخدمت لنقل كل هذه البضائع. وقد كانت تلك السفن تُصنع من جذوع أشجار النخيل المربوطة معا بواسطة حبال من الألياف الطبيعية، ومن ثم يتم سد الشقوق بواسطة القار. وكان للسفن صارية، وقيدوم عال (مقدمة)، وكوثل (مؤخرة)، وكانت حمولتها تبلغ عشرين طنا. وفي الشرقية، اكتشف فريق من علماء الآثار الألمان أن صناعة صهر وتعدين النحاس كانت موجودة في المنطقة ويرجع تاريخها إلى نحو 5000 سنة. وقد كان مقر هذه الصناعة في منطقة "سمد الشان" على بعد نحو كيلومتر واحد إلى الجنوب من المنطقة المسماة حاليا بـ "الميسر" في المنطقة المنخفضة التي تتشعب عندها جميع روافد وادي السمد. ويُعرف هذا الموقع الكبيرة باسم "ميسر1" وهو يمتد فوق هضاب سمد حيث تم اكتشاف تلك المناجم. وقد وصل عمق بعض المناجم إلى 20 مترا. وعلى مقربة من الموقع، تم اكتشاف الأفران التي كان يتم فيها صهر النحاس وتشكيله في سبائك. وقد أفضت دراسة الأفران إلى تحقق علماء الآثار من أن أولئك الذين كانوا يستغلون المناجم كانوا على دراية تامة بأساليب صهر النحاس وتحويله إلى سبائك من المعدن النقي(على شكل أقماع يبغ طولها من 6-22 سم).

هذا النشاط شبه الصناعي، والنسبة العالية للنيكل في المعادن، والتي تتشابه كثيراً مع النسبة الموجودة في النحاس الذي كان مستخدما في مناطق ما بين النهرين، تدعونا إلى الاعتقاد بأن جبل مجان "جبل النحاس" الشهير كان موجودا في "سمد". وقد تأكدت هذه النظرية بنتائج التحاليل الطيفية الكيميائية التي قام بها علماء الآثار والكيميائيون في مفوضية الطاقة الذرية ومختبرات موسيه الفرنسية.

 

  أمام